الثلاثاء، 9 أبريل، 2013

مكتبة الدكتور حسن جلاب بمراكش



مكتبة الدكتور حسن جلاب بمراكش

كتبهابديعي  ، في 31 مايو 2011 الساعة: 13:32 م


أنتسب إلى مدينة مراكش العاصمة السياحية والعلمية والتاريخية للمملكة المغربية والتي ظل المغرب يحمل اسمها نظراً لأهميتها، فقد اتخذتها الدول: المرابطية والموحدية والسعدية وعدد من ملوك الدولة العلوية الشريفة عاصمة لملكها، والتقت بها نخبة من علماء وأدباء المغرب والأندلس والعالم العربي والإسلامي، وعقدت بها المجالس الأدبية والعلمية والمناظرات، وكان إشعاعها العلمي مستمراً ومتواصلاً حتى أثناء انتقال كرسي الملك إلى غيرها من المدن المغربية كفاس ومكناس والرباط، وذلك بفضل جامعتها اليوسفية العريقة ومدارسها العلمية المشرقة، ومكانتها التاريخية والموقعية والاجتماعية البارزة.
كان مولدي بحي من أحيائها العريقة هو حي سيدي ميمون الصحراوي الذي يرجع بناؤه إلى منتصف القرن السادس الهجري، بعدما قرر يوسف بن عبد المؤمن الموحدي توسيع المدينة عن طريق هدم جانب من السور الذي بناه علي بن يوسف بن تاشفين في الجهة الغربية،وأسكن به بعض القبائل منها هسكورة ومسفيوة التي أنتمي إليها.
وهو حي يعبق بالتاريخ وتحيط به أضرحة أعلام متميزين خدموا البلاد هم: يوسف بن تاشفين مؤسس مدينة مراكش الذي يقع على بعد عشرين متراً من الحي، وأمامه صومعة الكتبية العظيمة، وبه كذلك ضريح سيدي ميمون الصحراوي أحد بناة المدينة، وعبد الرحمن السهيلي العالم الأندلسي البارز في اللغة والحديث والتفسير، المتوفى في آخر القرن السادس الهجري، وضريح سيدي مبارك بن تعلوات الدراز الصوفي المنتسب للقرن الحادي عشر الهجري. ويحده كذلك حي القصبة الموحدية بمسجده المنصوري الكبير وصومعته الشامخة السامقة.
وتحيط به من الغرب والجنوب حدائق المامونية، وعرصة ابن إدريس، وعرصة مولاي المصطفى الخضراء. فيجمع بذلك بين سحر التاريخ،وروعة المآثر، وجلال العلم، وجمال الطبيعة.
في هذا الحي الجميل رأت عيني النور، سنة 1368هـ/1948م، وبه درجت وحفظت القرآن الكريم بمسجد سيدي مبارك، ثم بمسجد سيدي ميمون داخل أسوار الحي، ولم يسعفني الحظ بالانتساب إلى الجامعة اليوسفية العتيقة كما هو الشأن بالنسبة لإخوتي الأكبر مني سناً، إذ اقتضى نظر خالي العائد آنئذ من عدد من الدول الأوروبية والآسيوية أن يسجلني في المدارس الحكومية العصرية المزدوجة اللغة، التي لم تكن تستقبل إلا فئات محدودة ومعينة من المواطنين. فقد كان رجال الوطنية يحثون المغاربة على تسجيل أبنائهم في المدارس الحرة والتعليم العربي الأصيل.
وقد كانت الأسرة تهيئني للدراسات العلمية. ولكن الله شاء أن أتوجه للدراسات الأدبية بفضل أستاذي محمد بن العربي المسفيوي رحمه الله، الذي أصر أثناء المداولات التوجيهية في آخر الدراسة الإعدادية على هذا التوجيه لتفوقي في مادة اللغة العربية.
وقمت بتصحيح الوضع بعد حصولي على البكالوريا بتحقيق أمنية الانتساب إلى التعليم الأصيل، وذلك بالانخراط في كلية الآداب والعلوم الإنسانية (فرع فاس) التي لم يكن يتجه إليها إلا طلبة التعليم الأصيل، وكان ذلك سنة 1966م.
وفيها التقيت بأستاذي الدكتور عباس الجراري الذي عين بها أستاذاً في السنة نفسها، ودرست عليه الأدب العربي، ثم الأدب المغربيفيما بعد. واستمر ارتباطي العلمي به إلى الآن.
وقد كنت مهيأ للاندماج في تخصص الأستاذ الجراري قبل أن ألقاه لسببين اثنين:
- أولهما: استفادتي من مكتبة أخي محمد الطالب ثم الأستاذ بالجامعة اليوسفية والتي كانت تحوي عدداً من المصادر العلمية في التفسير والحديث والفقه، وعلى الخصوص بعض الكتب في التاريخ والأدب المغربيين.
ومكتبة أخي أحمد ذات الطابع الحديث التي كانت تحوي مجموعة كبيرة من القصص والروايات لعدد لا يستهان به من المؤلفين، كنجيب محفوظ،ومحمد عبد الحليم عبد الله، ويوسف السباعي، وإحسان عبد القدوس وغيرهم من كبار كتّاب مصر والمغرب
- وثانيهما: تأثير أستاذي الفرنسي بيرنار روزان بيرجي Bernard Rosem Berger الذي درّسني تاريخ المغرب في المرحلة الثانوية،والذي بهرني بمعرفته الدقيقة لتاريخنا الوطني، فكان أول من وجهني إلى البحث فيه والرجوع إلى مصادره الأصيلة.
لذلك، عندما وصلت السنة النهائية للإجازة وطلب منا إنجاز بحث التخرج، لجأت إلى أستاذي عباس الجراري لأسجل معه موضوعي عن (الشعر الدلائي).
وكان أملي أن أتابع دراستي العليا عندما تخرجت في الكلية سنة 1970م، ولكن الظروف لم تسمح لي بذلك، نظراً لحاجة البلاد إلى الأساتذة في مختلف التخصصات خصوصاً وإنني كنت منتسباً في الوقت نفسه للمدرسة العليا للأساتذة بالرباط، فلبيت نداء الوطن وانخرطت في سلك التعليم الثانوي وعينت بثانوية محمد الخامس بالدار البيضاء في شهر أكتوبر من السنة نفسها.
وكانت تجربة غنية ومفيدة تصديت فيها لتدريس اللغة العربية وآدابها، والثقافة العربية، والترجمة، للشعَب الأدبية والأصلية والعلمية وشعبة الاقتصاد دامت ثماني سنوات قضيت خمساً منها في مدينة الدار البيضاء وثلاث سنوات في مسقط رأسي مدينة مراكش،وتمكنت خلالها من تكوين عدد لا يستهان به من أطر البلاد.
وكان لعقد السبعينيات بالمغرب صبغة خاصة، وهو عقد الشباب الثائر المتحفز الطموح إلى المناصب العليا واكتساب المعارف، لذلك كان كل الزملاء أساتذة الثانوي يسجلون أنفسهم في كليات الحقوق للحصول على الإجازة في العلوم القانونية أو الاقتصادية، وذلك لولوج مهن كانت لها جاذبية خاصة كالقضاء والمحاماة أو القطاع الاقتصادي الخاص. لذلك وجدت نفسي مثلهم مسجلاً في كلية الحقوق بفرع الدار البيضاء لأحضّر الإجازة في العلوم القانونية أسوة بهؤلاء الزملاء في العمل، وكنا نتناوب على الحضور وتبادل المحاضرات حتى نوفِّق بين العمل والدراسة.
إلا أنني في الآن نفسه أَنتسب إلى كلية الآداب بفاس قصد تهيئ دبلوم السلك الثالث في تخصص أدب مغربي بإشراف أستاذي الدكتور عباس الجراري وأستاذي الدكتور محمد بنشريفة.
ووقعت في حيرة كبيرة في صيف سنة 1973 عندما حصلت على الإجازة في العلوم القانونية بتفوق، وعلى دبلوم الدراسات العليا المعمقة الذي يؤهلني لتسجيل أطروحتي لنيل شهادة الماجستير، هل أقتفي أثر زملائي الذين غادروا التعليم إلى المحاماة أو القضاء، وبالتالي أحقق رغبة خالي رحمه الله الذي لا أنسى أفضاله علي في التوجيه والإرشاد، أو أحقق رغبة والدي رحمه الله، في أن أكون أستاذاً بارزاً كالأساتذة المنتسبين لقبيلتنا من أمثال محمد بن عثمان المسفيوي ومحمد بن الهاشمي المسفيوي رئيسي الجامعة اليوسفية، ومحمد بن المؤقت المسفيوي وعبد السلام المسفيوي وغيرهم… وأيضاً رغبتي الدفينة في أن أكون أستاذاً جامعياً ومؤلفاً للكتب..
وقد كان الوضع الاجتماعي للمحامي والقاضي آنذاك أكبر بكثير من الوضع الاجتماعي للمدرس
وأذكر أنني سافرت إلى الرباط للاستشارة مع أستاذي عباس في تسجيل موضوع الماجستير والاستئناس برأيه في مسألة الاختيار، إلا أنه أصر على أن أختار بنفسي حسبما تمليه علي قناعتي الشخصية واستعدادي الخاص لهذا الميدان أو ذلك بغض النظر عن الضغوط المادية أو الاجتماعية أو الأسرية.
فاخترت فعلاً ما أحسست أني أحبه وأميل إليه: وهو البحث العلمي والأستاذية، وإن بقي في نفسي شيء من إغراء المادة وسحر السلطة… وتتاح لي الفرصة أحياناً للقاء هذا الزميل أو ذاك من رفقاء الدراسة القانونية ممن أصبحوا رؤساء محاكم أو مستشارين في المجلس الأعلى أو رؤساء غرف به وآخرين من أبرز محامي مدينة الدار البيضاء على الخصوص، ومن رجال السياسة اللامعين، وفق الله الجميع وهدانا إلى ما فيه خير هذه البلاد.
سجلت رسالة الماجستير بإشراف أستاذي الدكتور عباس الجراري سنة 1973 في موضوع (أبو عبد الله محمد المرابط الدلائي: حياته وآثاره) وهو استمرار لبحثي في الإجازة الذي عرفت فيه بأدب الزاوية الدلائية نسبة إلى منطقة الدلاء بجبال الأطلس المتوسط التي نهضت بأدوار علمية وسياسية ودينية خلال القرنين العاشر والحادي عشر للهجرة، بعد دخول المغرب في صراعات بين أبناء أحمد المنصور السعدي حول الملك، فتوقفت الدراسة في القرويين بفاس وابن يوسف بمراكش، وانعدم الأمن بمناطق المغرب وظهر بعض رجال الزوايا في هذه المنطقة أو تلك سعياً إلى حكم البلاد.
وقد وفر الدلائيون الشروط كافة لاستقبال العلماء والطلبة وظهرت حركة علمية وأدبية نشيطة تجلت في ظهور عدد من المؤلفين في مختلف العلوم والتخصصات منهم أبو عبد الله المرابط الشاعر والأديب واللغوي والفقيه صاحب مؤلفات عديدة في هذه العلوم.
وقد مكنني تحضير هذه الرسالة من الاطلاع على نفائس المخطوطات الموجودة في الخزانة العامة
والخزانة الحسنية بالرباط ومختلف الخزانات الجهوية بمراكش وتطوان وفاس ومكناس… وأن أكتسب معرفة عميقة بخبايا مكتباتنا العامة وخاصة في مجال الدراسات والمؤلفات المغربية.
ولا يمكنني هنا أن أنسى الخدمات التي قدمها لي الأستاذان المرحومان: العلامة محمد المنوني أحد رواد البحث المصدري بالمغرب وصاحب مكتبة خاصة بالرباط؛ والعلامة المؤرخ الصديق بلعربي محافظ خزانة ابن يوسف بمراكش. فقد كنت دائم الاتصال بهما للنهل من معارفهما والاستفادة من توجيهاتهما السديدة ومعرفتهما العميقة بعناوين الكتب وأماكن وجودها، فإليهما أدين بالكثير مما وصلت إليه من مصادر ومراجع لم أكن لأصل إليها لولا مساعدتهما الثمينة.
كما كنت أستفيد من المكتبة الخاصة لشيخي محمد المنوني الذي ظلت صلتي به وثيقة منذ سنة 1974 إلى حين وفاته سنة 1999 رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه.
كما أنني بحكم انتمائي لمراكش، ومعرفتي الواسعة لأسرها العلمية وخزاناتها الخاصة قد استفدت كثيراً من مكتبات كثير من الأسر التي لا تخلو من الذخائر النفيسة وخاصة فيما يتعلق بالمدينة تاريخاً وأدباً وفكراً وفقهاً
وقد ناقشت شهادة الماجستير في فبراير 1978 بكلية الآداب بالرباط. وكانت الدراسات العليا حديثة العهد بها إذ لم تكن تزيد الرسائل المناقشة بها على الرسالة الواحدة أو اثنتين في السنة. وطولبت بعد ذلك للالتحاق بتكوين الأطر، حيث أسس عدد من المراكز الجهوية التربوية لتكوين الأساتذة من بين المعلمين والطلبة الحاصلين على البكالوريا.
وعينت بالمركز الجهوي التربوي لمراكش، إلا أن مقامي لم يدم طويلاً إذ تأسست في السنة نفسها جامعة القاضي عياض بمراكش، وفتحت كلية الآداب بها في نوفمبر 1979. فانتقلت للعمل بها وكان لي شرف إلقاء أول محاضرة جامعية بمناسبة تأسيس الكلية يوم 29 نوفمبر من السنة نفسها حضرها عدد من الشخصيات العلمية والسياسية والاجتماعية المرموقة.
وقد أحسست أنني حققت هدفاً كبيراً في حياتي بالتحاقي بجامعة مراكش، وعملت بنشاط فائق مع مجموعة من الزملاء الأساتذة حتى تتبوأ كليتنا الفتية مكان الصدارة بين باقي الكليات الجهوية المحدثة في الوقت نفسه، وكنا نسعى إلى سد الثغرات التي تبدو لنا،بالتطوع لتدريس مواد إضافية وساعات أكثر من الساعات المقررة علينا حتى تنجح الكلية وحتى تضمن تكويناً جيداً لطلبتنا. وكنت إلى جانب التدريس والإشراف على البحوث أعمل في شعبة اللغة العربية وآدابها وفي كل اللجان المتفرعة عنها كاللجنة العلمية ولجنة الندوات، ولجنة تحرير المجلة.
وأضيف إلى هذه المهام مهمة أخرى جليلة ابتداء من سنة 1985 حيث أسسنا مركزاً للدراسات والأبحاث حول مدينة مراكش كان الهدف منه:
1- جمع ما كتب عن المدينة في القديم والحديث من مصادر ومراجع مخطوطة ومطبوعة ومن وثائق وصور
2- تنظيمها وفهرستها وتيسير الاستفادة منها.
3- إرشاد الباحثين والمهتمين بالمدينة وتوجيههم ومساعدتهم على إنجاز بحوثهم أو مشاريعهم سواء كانوا من الكلية أو من خارجها.
4- تنشيط البحث العلمي حول مراكش بتنظيم ندوات علمية حول الجوانب التاريخية والاقتصادية والدينية… للمدينة.

وقد كنت مكلفاً بالمركز من سنة 1985 إلى سنة 1991 تمكنت من خلالها من جمع الكثير من الوثائق والكتب والإشراف على البحوث والمشاريع وتنظيم ثلاث ندوات دولية حول مراكش خلال سنوات 1988-1989-1990، طبعت أعمالها فيما بعد بحمد الله تعالى.
ولم تكن كل هذه المهام والتكاليف لتثنيني عن إنجاز أطروحة الدكتوراه التي سجلتها تحت إشراف أستاذي الدكتور عباس الجراري بكلية الآداب بالرباط في موضوع (الحركة الصوفية بمراكش وأثرها في الأدب) فقد مكنني الاشتغال بمركز الدراسات والأبحاث حول مراكش من الوقوف على الكثير من الوثائق والمخطوطات التي أظهرت أهمية الموضوع وجاذبيته، فمراكش تعرف عند العامة ببلدة سبعة رجال،وهؤلاء الرجال نهضوا بأدوار سياسية ودينية تربوية واجتماعية غاية في الأهمية، ففكرت في إنجاز أطروحة عنهم تعرف بهم وبمؤلفاتهم وجهودهم في خدمة البلاد وما خلفوه من أثر على الأدب المغربي والإسلامي على العموم.
وكنت أجمع بين مهامي التربوية والعلمية والتردد على المكتبات العامة والخاصة لإنجاز الأطروحة، واستغرق العمل على هذا الشكل ثماني سنوات إذ تمكنت من مناقشة أطروحتي في شهر يونيو 1987م.
وقد كبرت مسؤولياتي العلمية بعد هذا الحدث الذي احتفل به زملائي في الشعبة احتفالاً كبيراً إذ كنت أول من يحصل على هذه الدرجة العلمية من بينهم، ومن الثلاثة الأوائل من أساتذة الكلية بأكملها البالغ عددهم آنذاك أزيد من مائة أستاذ.

وهذه المسؤولية الجديدة المشار إليها هي إشرافي على أطاريح الزملاء الأساتذة من جهة، ومساعدة أستاذي الدكتور عباس الجراري في مناقشة أطاريح أخرى بجامعة الرباط.

وقد اقتضى نظر جلالة الملك المغفور له الحسن الثاني أن يعينني عميداً لكلية اللغة العربية بمراكش التابعة لجامعة القرويين بفاس في مارس سنة 1991، فشاءت الأقدار أن أعود إلى التعليم الأصيل الذي تأسفت في بداية تعليمي على عدم الالتحاق به. وإن عدت إليه مسؤولاً.

لا أريد أن أطيل في الحديث عن هذا العقد من حياتي العملية والإدارية لكثرة ما يمكن أن يساق فيه وأكتفي بالإشارات المركزة التالية:
-توجه اهتمامي بالسمو بهذه المؤسسة العريقة التي تعد أول جامعة في المغرب إذ يعود تأسيسها إلى القرن الثالث للهجرة، كما أن كلية اللغة العربية هي امتداد لجامعة ابن يوسف التي أسست في بداية القرن السادس الهجري وذلك بعدم الاكتفاء بتلقين الدروس وتكوين الأطر، وإنما الانطلاق إلى فضاء البحث العلمي الرحب والواسع، وجعلها مؤسسة ذات إشعاع ثقافي وعلمي أكاديمي كبير. وقد تم تحقيق كثير من ذلك بشهادة الجميع:
1- بإحداث الدراسات العليا التي لم تكن موجودة بها من قبل، وقد نوقشت بها الآن العديد من رسائل الماجستير وأطاريح دكتوراه الدولة، والدكتوراه الجديدة.
2- الرفع من مستوى التأطير التربوي والإداري إذ ارتفع عدد الأساتذة بها من 1991م إلى اليوم من 15 أستاذاً إلى 35 وعدد الموظفين من 25 إلى 60 موظفاً.
3- تنظيم الندوات العلمية الأكاديمية الوطنية والدولية بمعدل ندوتين على الأقل في السنة في تخصصات الكلية، أي اللغة العربية والدراسات الإسلامية، والمحاضرات العامة وأوراش التكوين والبحث.
4- تنظيم سلسلة من التكريمات لشخصيات علمية وطنية مرموقة.
5- إصدار منشورات الكلية: عبارة عن مجلة حوليات كلية اللغة العربية، وبعض المنشورات العلمية المتخصصة وقد وصلنا منذ سنة 1991م إلى اليوم العدد 16 من الحوليات.
6- تحديث الكلية بتعميم استعمال المعلومات في كل مرافقها وإدخال الإنترنت والاستفادة منه في الأبحاث والندوات.

ومما يثلج الصدر ويشجع على العمل أن يجد الإنسان من يعترف له بكده وعمله واجتهاده، فقد تفضل جلالة الملك المغفور له الحسنالثاني بالإنعام علي بوسام العرش من درجة فارس سنة 1995م.
كما اعترفت وزارة الشؤون الثقافية بمجهوداتـي في مجال التأليف والبحث بالإنعام علي بجائزة
المغرب للكتاب لسنة 1994م تسلمتها من يد جلالة الملك سيدي محمد السادس نصره الله ولي العهد آنذاك.
ولا أنسى اعتراف زملائي الأساتذة بمراكش وبعض المدن المغربية وعلى رأسهم أستاذي الدكتور عباس الجراري الذين أبوا إلا أن يخصصوا لي يوماً دراسياً في شهر مارس سنة 1998م تصدوا فيه لقراءة أبحاثي ومؤلفاتي وتقويمها تقويماً علمياً موضوعياً، وختموه بكلمات تكريمية طيبة لن أنساها مدى العمر، دلت على سمو أخلاقهم وجميل طباعهم، ونبل مقاصدهم. جزاهم الله عني خير الجزاء وأوفاه.
وقد توج مولانا أمير المؤمنين هذه الإنعامات بتعييني عضواً بالمجلس العلمي لجهة مراكش تانسيفت الحوز في منتصف ديسمبر 2000 وهي مسؤولية عزيزة أقوم بها مع زملائي باقي الأعضاء بكثير من الاجتهاد والحماس والعمل المتواصل الدؤوب، خدمة للشؤون الدينية ونهوضاً بالثقافة الإسلامية في هذه الجهة من بلدنا العزيز.
إن إشرافي على تسيير كلية اللغة العربية وما يتطلبه من عمل مستمر ومضنٍ، من اجتماعات ولجانٍ، وأسفار إلى مقر الجامعة بفاس،ومقر وزارة التعليم العالي بالرباط، لم يكن ليحيد بي عن تحقيق هدفي المزدوج والمتمثل في التدريس والتأليف، لذلك:
1- حرصت على الاحتفاظ بمحاضراتي في الدراسات العليا تخصص أدب مغربي بكلية اللغة العربية، ألقيها أسبوعياً على طلبة السنتين الأولى والثانية، والإشراف على الرسائل الجامعية ومناقشتها في مختلف الكليات المغربية.
2- الاستمرار في التأليف والإنتاج العلمي في مجال تخصصي ألا وهو التراث المغربي على وجه العموم.

وهذا يدفعني إلى الحديث باختصار عن المؤلفات التي أنجزتها إلى حد الآن، منها ما هو منشور ومنها ما هو قيد الطبع أو في طريق التأليف والإنجاز، وقد اتخذت كتاباتي ثلاثة مسارات متقاربة ومتكاملة.

المسار الأول:
فرضته طبيعة الموضوعات الأدبية التي درستها في الجامعة على أساتذة الأدب المغربي والتي كانت منصبة على القضايا الأدبية والفكرية والإبداعية المتصلة بحالة الأدب العربي في المغرب الأقصى إلى آخر العصر الموحدي وأحياناً تتناول موضوعات من العصور اللاحقة: مرينية وسعدية خاصة.
وقد سرت على المنهج نفسه بعدما التحقت بالجامعة، فكان لا بد من التعرض للموضوعات نفسها لأنها حافظت على جاذبيتها وأهميتها،ولاعتقادي بأن طالب الأدب لا بد أن يقف عليها لتكمل لديه صورة الأدب العربي في كل الأقاليم، ولأنها تتضمن نقاشات ساخنة ومفيدة في علاقة أدبنا بالآداب الأخرى، ومواقف الباحثين من مستشرقين وعرب منها.
وتكون تلك فرصة لاستعراض آراء الباحثين الرواد في الأدب المغربي، مع عرض مستجدات الموضوع وآفاقه، والتوجه أساساً نحو تذوق الشعر المغربي وتحليل نصوصه وفق مناهج مختلفة يقصد بها التثقيف والتعليم أيضاً.

وتدخل في هذا الإطار مؤلفاتي:
1- الدولة الموحدية: أثر العقيدة في الأدب: طبعت 1983-1985 و1995م.
2- الدولة المرابطية: قضايا وظواهر أدبية: طبعة 1997م.
3- بحوث في ببليوغرافيا التراث المغربي المكتوب: طبعة 1995م.
4- دراسات مغربية في التراث: طبعة 1998م.

وقد قدمت في هذه الكتب دراسات موسعة لأدب الدولة المرابطية التي وحدت المغرب والأندلس وعمل بطلها يوسف بن تاشفين على دعم الإسلام والمسلمين بها بواسطة معركة الزلاقة المشهورة، وخلق جواً جديداً من الإبداع الأدبي والفكري المشبع بالروح الوطنية والقيم الإسلامية، فنبع شعراء وكتّاب في العدوتين.
وصدرت دواوين شعرية رائعة حللت مضامينها وعرفت بإعلامها. وتصديت في هذه الكتب لمواقف بعض المستشرقين الحاقدين على ابن تاشفين والمتهمين له بالجمود الفكري والتعصب الديني وعدم رعاية الأدب، واستغلوا قضية نفي المعتمد بن عباد إلى أغمات استغلالاً سيئاً للتشهير به والإساءة إلى شخصه.
وقد تمكنت بحمد الله من رد الأمور إلى نصابها وتوضيح دوافع النفي وأسبابه ومراميه.
ودرست الأدب الموحدي الذي كان أدباً متميزاً في تاريخ الأدب المغربي، إذ إن هذه الدولة بقيادة زعيمها المهدي بن تومرت، قد تركت المذهب المالكي السني ودعت إلى مذهب جديد يجمع بين العقيدة الأشعرية ومبادئ التشيع من إمامة وعصمة وخلافة، الشيء الذي جعل أدب الدولة يتخذ صبغة مخالفة للآداب المغربية تنوه بتلك المبادئ وتمدح أصحابها. فأبرزت أثر العقيدة الموحدية في الأدب -شعره ونثره-،وحللت نصوصاً أدبية لأعلام من أمثال أبي العباس الجراري وابن حبوس الفاسي وابن عطية المراكشي وغيرهم.
ومع هذا التوجه المذهبي وضعت الدولة الموحدية أسس النهضة الفكرية المغربية منذ القرن السادس للهجرة فازدهر الأدب والفكر في عهدها، وتعددت الندوات العلمية، واندمجت الثقافة الأندلسية بالثقافة المغربية فانتقل ذلك إلى العمران والبناء، وكل المظاهر الحضارية على اختلاف أنواعها وأشكالها: من هندسة، وطب، وكيمياء، وأساليب الفلاحة والري، وتطورت أساليب التربية والتعليم والتأليف مما أوضحته بجلاء في كتابي "دراسات مغربية في التراث".
وكنت حريصاً وأنا أدرس التراث المغربي على الاهتمام بالهوية المغربية والدفاع عن الأصالة حفاظاً على مقوماتنا البيئية والثقافية والحضارية وإبرازاً لأعلامنا الذين خدموا البلاد وناضلوا من أجلها في مختلف مجالات الحياة.
إن الهوية راسخة في وجدان الشعوب وكيانها وتعتبر حقاً من حقوق كل فرد منها، لا سبيل إلى انصهارها في غيرها من الكيانات والهويات مهما كان نفوذها وسلطتها، وفي عالم يسعى فيه الأقوياء إلى تذويب الهويات الضعيفة في خضم تيار العولمة الجارف، وهو أمر لا يجب الاستسلام له بسهولة، بل لا بد من مقاومته بإبراز مقومات ثقافتنا وتراثنا الحضاري، على أن لا نأخذ من الدخيل الوافد إلا ما يناسب حياتنا وواقعنا ومستقبلنا، ولا يتعارض مع ديننا الحنيف السمح.
وما زلت أشتغل بمؤلفات تواكب أدب باقي العصور مما سبق تدريسه في أسلاك التعليم الجامعي.

المسار الثاني:
وهو مرتبط بميل فطري قديم إلى أدب التصوف، يرجع إلى البيئة الصوفية التي نشأت فيها في المنزل (الوالد رحمه الله كان تيجاني الطريقة) والحي المحاط بضرائح الأولياء وبالزوايا والمساجد، وبالمدينة ككل مدينة العلم والصلاح، وبلدة سبعة رجال كما سماها القدماء.
وقد ظهر هذا الاهتمام في مجال البحث منذ مرحلة الدراسة الثانوية وتأكد فيما بعد في دراستي الجامعية والعليا حيث ركزت اهتمامي على موضوع أدب الزاوية الدلائية.
لقد عرف المغرب كغيره من البلدان الإسلامية ظهور تيارات صوفية ضمن التيارات الفكرية والاجتماعية السائدة، إلا أن هذا التصوف عندنا -في مجمله- تصوف سني جنيدي، شاذلي، نزع فيه أصحابه نزعة معتدلة، وكانوا في أغلبهم يندمجون داخل مجتمعاتهم ويسعون إلى نشر التربية الروحية السليمة والمبادئ الإسلامية السمحة دون غلو، بل إن منهم من دعا إلى مساعدة الناس وخدمة الأرض والاشتغال بالفلاحة أثناء الجفاف وقلة الأمطار.
واتجهوا كلهم نحو إنقاذ البلاد من نير الاستعمار وجبروته وطغيانه عندما ضعفت السلطة المركزية وأغار الإسبان والبرتغال على الشواطئ الشمالية والجنوبية للمغرب.

ورغم تعدد الطرق والزوايا فإنها لم تخرج عن اتجاهين كبيرين هما:
- الطريقة الجزولية نسبة لمحمد بن سليمان الجزولي صاحب دلائل الخيرات والتي تفرعت إلى تباعية وغزوانية وشرقاوية ووزانية..
- الطريقة الزروقية نسبة إلى الشيخ أحمد زروق الفاسي والتي تفرعت بدورها إلى طرق عديدة تجاوز بعضها حدود المغرب إلى شمال أفريقيا.
والطريقتان معاً تنتسبان لأبي الحسن الشاذلي دفين عيذاب بمصر والذي جدد الطريقة الجنيدية السنية المعروفة.
لقد دارت كل أبحاثي في التصوف حول هذا الاتجاه المعتدل، وأهمها أطروحتي عن الحركة الصوفية بمراكش وأثرها في الأدب حيث تناولت ظاهرة سبعة رجال مراكش وهم أعلام أدباء ومفكرون نهضوا بأدوار دينية وسياسية وثقافية ليس بمراكش وحده، ولكن في المغرب بكامله، وعلى امتداد العصور والأحقاب.
وقد خلفوا آثاراً أدبية تركت بصماتها في الثقافة العربية الإسلامية. وذلك بما كُتب عنهم، وما أُلِّف حول إنتاجهم الأدبي والفكري من شروح وتلخيصات، وما كتب على غرار مؤلفاتهم في التصليات والأذكار.
وأذكر منهم على الخصوص القاضي عياضاً، وأبا العباس السبتي والجزولي والغزواني وغيرهم.

أما الكتب التي نشرتها في الأدب الصوفي عموماً فهي:
1- الحركة الصوفية بمراكش وأثرها في الأدب: طبعة 1994م.
2- الآثار الأدبية لصوفية مراكش: طبعة 1994م.
3- مظاهر تأثير صوفية مراكش في التصوف المغربي: طبعة 1994م.
4- بحوث في التصوف المغربي: طبعة 1995م.
5- أضواء على الزاوية البوعمرية بمراكش: طبعة 1996م.
6- أبو عبد الله محمد المرابط الدلائي: عالم الزاوية الدلائية وأديبها: طبعة 1997م.

وفكرت في إصدار سلسلة عن أعلام التصوف المغربي أعرف بهم وبطريقتهم ومؤلفاتهم وغير ذلك من المعلومات التي تفيد الباحثين في هذا المجال، ظهر لي منها إلى حد الآن:
1- أحمد بابا السوداني وكتابه الدر النضير في الصلاة على الشفيع البشير. طبعة 1992م.
2- محمد بن سليمان الجزولي: مقاربة تحليلية لكتابته الصوفية: طبعة 1993 و 1999م.
3- أبو محمد عبد الله الغزواني: سيصدر لي قريباً.

المسار الثالث:
تحقيق كتب التراث المغربي، أبان البحث العلمي عن أهميتها وحاجة الدارسين إليها، ولها ارتباط وثيق بالمسارين السالفين. فكما هو معروف لا يمكن للبحث العلمي أن يتطور وأن يصل إلى النتائج المرجوة ما لم يتم تحقيق المصادر التراثية المهمة. والمغرب بحمد الله معروف بثروته الهائلة من المخطوطات التي هي نتيجة جهود علمائنا طوال أربعة عشر قرناً من الإبداع والإنتاج الفكري.
وفي بلادنا مكتبات زاخرة بهذا التراث العظيم هي: الخزانة العامة للوثائق، والخزانة الحسنية بالرباط، والخزانات العامة بمراكش،وتطوان، وفاس، والرشيدية، ومكناس، وغيرها من مكتبات الزوايا والمساجد.
كما أن المغرب يتوفر على ثروات مخطوطة في المكتبات الخاصة. وقد صدرت مجموعة مهمة من كتب التراث على يد أساتذة وباحثين جامعيين مرموقين: كالأستاذ محمد بنشريفة، والأستاذ عباس الجراري، ومحمد مفتاح، وسعيد أعراب، وعبد السلام الهراس، ومحمد حجي، وغيرهم. كما كانت موضوع أطاريح جامعية نوقشت في العديد من الجامعات المغربية، وكثير منها في طور الإنجاز والتهييئ. مما يبشر إن شاء الله بحركة نشيطة وإيجابية في إخراج تراثنا العزيز.

أما الأبحاث التي صدرت لي إلى الآن في هذا الاتجاه فهي:
1- درر الحجال في مناقب سبعة رجال لمحمد الصغير الإفراني، تحقيق ودراسة. طبعة 2000م.
2- الجامعة اليوسفية بمراكش في تسعمائة سنة لمحمد بن عثمان المراكشي تقديم ونشر وتصحيح. طبعة 2001م.
وهو كتاب كان مؤلفه ينوي كتابته في 3 أجزاء إلا أن المنية عاجلته دون القيام بذلك.
وقد شرعت في تحقيق هذا المشروع المهم المتمثل في التاريخ للجامعة المراكشية جامعة ابن يوسف بتحقيق الجزء الذي خلفه ابن عثمان وتأليف جزأين مكملين له سميتهما: التكملة الوافية لكتاب الجامعة اليوسفية. وهما قيد الطبع.

كما أنني بصدد تحقيق مؤلفات أخرى قيمة هي:
1- السعادة الأبدية في التعريف بمشاهير الحضرة المراكشية لمحمد بن محمد المؤقت المراكشي، تحقيق وتقديم. في جزأين، وهو الآن قيد الطبع. عرف فيه صاحبه بحوالي 360 علماً من أعلام التصوف المدفونين بمدينة مراكش وضاحيتها.
2- المعارج المرتقاة إلى معاني الورقات لمحمد المرابط الدلائي: تحقيق وتقديم، شرح فيه صاحبه كتاب الورقات لإمام الحرمين في أصول الفقه.
3- البركة البكرية في الخطب الوعظية. وهو ديوان خطب للمرابط الدلائي اللغوي الأديب.
تلكم نظرة موجزة عن المؤلفات التي صدرت لي إلى حد الآن، ودوافع كتابتها وما أنوي إنجازه في المستقبل إن شاء الله، وأنا أعتبر نفسي في بداية الطريق رغم الجهد الذي بذلته والإنجاز الذي حققته، ومن المؤكد أن التشجيعات التي سبق أن لقيتها من أساتذتي وزملائي في العمل كانت خير مشجع لي على الاستمرار بالرغم من تشتت جهدي بين العمل التربوي والعمل الإداري والبحث والتأليف.
ومن المؤكد كذلك أن هذا التكريم الذي رشحني له أستاذي رئيس النادي الجراري، وأنجزه سماحة الشيخ عبد المقصود خوجه، وفعاليات الاثنينية، سيكون خير حافز لي على الاستمرار في العمل والمثابرة فيه، خدمة لثقافتنا العربية الإسلامية، ولأمتنا التي تحتاج إلى أن نبذل من أجلها الجهود وأن نعمل على إبراز دورها الإشعاعي والثقافي بين الأمم والشعوب.
فالشكر الجزيل لكل من ساهم من قريب أو بعيد في إنجاح هذا الحفل التكريمي من أساتذة وإداريين وإعلام وحضور كريم، وأتمنى لسماحة الشيخ عبد المقصود دوام الصحة والعافية ولمنتدى الاثنينية اطراد التقدم والنجاح والازدهار، حتى يحقق الأهداف السامية المرسومة،إنه سميع مجيب والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

الاثنينية 250

 

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق